محمد جمال الدين القاسمي

59

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

يتزوج بيهودية أو نصرانية . فسأل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك فقال : إنها لا تحصن ماءك ؛ وروي أنه نهاه عن ذلك . وبأنا نتأوّل قوله تعالى : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ فنجمع ونقول : تخصيص المشركات ب الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ متراخ ، والبيان لا يجوز أن يتراخى ! قالوا : روى جابر بن عبد اللّه عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « أحلّ لنا ذبائح أهل الكتاب وأحل لنا نساؤهم وحرم عليهم أن يتزوجوا نساءنا » . قال في ( الشفا ) : قال علماؤنا : هذا حديث ضعيف النقل . قالوا : قوله صلى اللّه عليه وسلم في المجوس : « سنوا بهم سنة أهل الكتاب » الخبر أفاد جواز ذبائحهم ونكاح نسائهم . قلنا : الجواز منسوخ بأدلة التحريم . ثم إنا نقوي أدلتنا بالقياس فنقول : كافرة فأشبهت الحربية ، أو لما حرمت الموارثة حرمت المناكحة . أو لما حرم نكاح الكافر للمسلمة حرم العكس . قالوا : لا حكم للاعتبار مع الأدلة . انتهى بحروفه . وهو فقه غريب . وقوله تعالى : إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي : أعطيتموهنّ مهورهنّ . وتقييد الحلّ بإيتائها ، لتأكيد وجوبها والحث على ما هو الأولى ، مبادرة لفراغ الذمة . فإن شغل الذمة بحق الآدميّ أشدّ من شغلها بحق اللّه تعالى : مُحْصِنِينَ متعفّفين غَيْرَ مُسافِحِينَ أي : غير مجاهرين بالزنى : وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ مسرين به ، و ( الخدن ) الصديق ، يقع على الذكر والأنثى . وحمل المسافحة على إظهار الزنى لظهور مقابله في الإسرار ، لتبادره من الخدن وهو الصديق . وقيل : الأول نهي عن الزنى ، والثاني نهي عن مخالطتهن . كذا في ( العناية ) . قال ابن كثير : كما شرط الإحصان في النساء - وهي العفّة عن الزنى - كذلك شرطها في الرجال . وهو أن يكون الرجل أيضا محصنا عفيفا . ولهذا قال : غَيْرَ مُسافِحِينَ وهم الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية ولا يردّون أنفسهم عمّن جاءهم وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ أي : ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلّا معهنّ ، كما تقدم في سورة النساء ، سواء ، ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل - رحمه اللّه - إلى أنه لا يصحّ نكاح المرأة البغي حتى تتوب ، وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف . وكذلك لا يصحّ عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب ويقلع عما هو فيه من الزنى ، لهذه الآية وللحديث : « لا ينكح الزاني المجلود إلّا مثله » . وروى ابن جرير « 1 » : أن عمر بن الخطاب قال : لقد هممت أن لا أدع أحدا

--> ( 1 ) الأثر رقم 11267 .